نعم للعمل ولا للإفراط والتخاذل

نعم للعمل ولا للإفراط والتخاذل
شويش الفهد

في مثل هذه الأيام من العام الماضي حصلت على إجازة قصيرة من عملي؛ لعلي ألملم فيها أوراقي وأرى موقعي بين سنوات العمل الماضية وطموحات المستقبل القادمة.

لكنني أثناء خروجي لمراجعة البنك اصطدمت سيارتي بسيارة آخرى يستقلها راكبين!

يا لهذا الحظ العاثر، لقد خصصت ذلك اليوم وذلك الوقت من إجازتي لزيارة البنك أملاً في رفع الحد الائتماني لبطاقتي الائتمانية، حتى أستطيع مواجهة أعباء الحياة والتزاماتها، لكن ما حدث لخبط أوراقي وجعلني أتراجع عن خططي وأبحث عن خطط أخرى.

لقد تسببت في حدوث بعض التلفيات للسيارة الأخرى رغم حرصي على مشاهدة التقاطع قبل الدخول فيه، لكنه القدر.

تأسفت كثيراً من صاحب السيارة ومرافقه على ما سببته من تلفيات وتعطيل لهم، وقمنا بالاتصال بالمسؤولين عن مثل هذه الحالات لمعرفة ما يجب أن نقوم به وكيف يمكن أن نتصرف حينها، وقفنا طويلاً تحت أشعة الشمس الحارقة وتعرضنا لتيارات الهواء الساخن وعوادم السيارات في انتظار حضور المسؤولين عن تقييم الحوادث.

وبعد أن انتهينا توجه كل منا في حال سبيله، وبعد أيام قليلة قمت بمراجعة إدارة المرور لسداد المبلغ المطلوب وتعويض الطرف الآخر، لكنني تفاجأت من رد الموظف الذي قال لي حينها: لماذا حضرت ونحن لم نتصل بك؟

ويبدو أن الطرف الآخر قد تنازل عن حقه في المطالبة بتعويض مني واكتفى بتحمل شركة التأمين لما حل بسيارته من تلفيات.

لقد تعلمت درساً مفاده أن الحياة ستستمر بكل ما فيها من تناقضات ومنغصات، وأن الإنسان مهما عمل وعمل لا بد أن يرتاح، وفي أثناء راحته لا بد أن يعمل على الاستعداد لما بعد الراحة.

يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس: “إن الراحة ليست غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة لمواصلة العمل”.

لذلك يجب علينا ألا ننظر إلى الراحة على أنها تخل عن المسؤولية أو هروباً من الواجبات، نعم لأنفسنا علينا حق الراحة وعدم تحميلها أعلى من طاقاتها، لكننا لا نعيش لوحدنا على هذا الكوكب، فهناك الكثير من الناس المرتبطين بنا والأمور المتعلقة فينا حتى ونحن في فترة الراحة.

وعلى العكس تماماً فإن التعلق بالعمل وإهمال الجوانب الأخرى من حياتنا أمر سلبي، سيستمر العمل بنا أو بدوننا، ويجب علينا كذلك أن لا ننظر إلى العمل (الوظيفة) على أنها هي العمل فقط، فنحن نستطيع أن نعمل من كل مكان وفي أوقت؛ متى ما آمنا بقدراتنا واستغلينا مواهبنا وعرفنا قيمة النعم التي وهبها الله لنا.

يقول الفيلسوف الفرنسي إميل دركهايم: “كثيراً ما يؤدي الإفراط في المثالية والسمو الخلقي إلى فقد المرء حسن قيامه بالواجبات اليومية”.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نستمر على وتيرة واحدة في حياتنا من أولها إلى آخرها، وجدير بنا أن نضع لأنفسنا خططاً نسير عليها حتى نقلل من وقع الصدمات والمطبات التي ستعترض في طريقنا، ومن المهم كذلك ألا نحرص كثيراً على المثالية، كما لا يجب أن نهمش الجوانب الأخرى من حياتنا.

نعم للعمل والإنجاز والطموح ولا للإفراط واللامبالاة والتخاذل، وقد يحدث أن يحقق السلبيون الأمجاد وتخذل الحياة الطامحين، فيجب ألا نحمل الأمور أكثر من نصابها، وما ذهب لغيرنا اليوم سيأتينا غداً بمشيئة الله ؛شريطة ألا نستسلم.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة

شاهد النسخة الكاملة للموقع