تعلمت من أمي

تعلمت من أمي
د. خالد بن عواض الثبيتي

المرأة لا تحتاج إلى يوم للاعتراف بها، فالاعتراف بالمرأة ينبغي أن ينطلق من المرأة ذاتها؛ حينما تقوم بالأدوار المطلوبة منها في بناء المجتمع، فالمرأة تمتلك طبيعة تختلف عن طبيعة الرجل، ولكنها مكملة له، ولا يمكن للرجل أن يستغني عن المرأة فهي نصفه الآخر، ومسكنه، وروحه المتحركة الدافعة نحو الإنجاز والتفوق، الاعتراف بالمرأة يكون من خلال المؤسسات المختلفة في المجتمع، بإعطائها الأدوار والمسؤوليات التي تتوافق مع طبيعتها وقدراتها وإمكاناتها.

ومن حين لآخر يحتفي العالم بأيام خاصة بالمرأة أو بالأم، وأياً كانت أشكال وصور الاحتفاء بها، فليس للأم يوماً نتذكرها فيه ونحتفي بها، فالأم كل الأيام، فهي هدية الرحمن، ونبع الحنان، وقلب مليء بالحب، ورضاها سبب لدخول الجنة، فالأم مدرسة إن أعددتها، أعدت شعباً طيب الأعراق.

سأحدثكم عن أمي تلك المدرسة التي تعلمت منها أشياءً كثيرةً صقلت شخصيتي، وتربيت على يدها أجمل وأفضل تربية، وهذا قليل مما تعلمته منكِ أيتها الغالية:

– تعلمت من أمي الالتزام والمسؤولية، التزام بأداء واجباتي نحوها ونحو أخواني ونحو المجتمع، التزام بإدارة وقتي بما يعود عليّ بالنفع، التزام بأداء واجباتي المدرسية، ومسؤولية بكل عمل يتم تكليفي به، مسؤولية نحو الأخ ونحو القريب ونحو الصديق.

– تعلمت من أمي معنى الصبر لتحقيق الأهداف وجني الثمار، الصبر على الأذى، الصبر على عناء الطريق، الصبر بمرافقة الصديق، الصبر كعنوان دائم مرافق ليفي مواقف الحياة المختلفة، الصبر حينما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

– تعلمت من أمي أن الأخلاق هي حلية الإنسان وجوهره، فالإنسان بلا أخلاق تصبح حياته لا معنى لها، وعلى قدر أخلاقه تكون قيمته.

– تعلمت من أمي كيف تكون لي شخصية مستقلة في حياتي، لي غرفتي الخاصة، ومكتبتي الخاصة، وسريري الخاص، ومصباحي الخاص، فتارة أجد الكتاب بيني يدي، وتارة أنام ملء عيني، وتارة استقبل أصدقائي وأحبابي بكل ترحاب، فالشخصية المستقلة تمثل تحدي كبير لاكتساب القيم والمعارف والمهارات.

– تعلمت من أمي التنظيم وفوائده قبل أن أدرسه في تخصص الإدارة بالجامعة، تعلمت كيف أنظم فكري، وأرتب حياتي، وأحدد مهامي، وأعمل لإنجازها، تعلمت أن الحياة بلا تنظيم تصبح فوضى لا معنى لها، فالتنظيم أساس النجاح.

– تعلمت من أمي معنى بذل النفس والوقت والجهد لتحقيق الإنجاز، ولمساعدة الآخرين وتقديم العطاء لهم، تعلمت من أمي أن الله يُحب المحسنين.

– تعلمت من أمي أنه على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم، تعلمت منها أن لكل مجتهد نصيب، يُصيب به علماً يتعلمه، أو خلقاً يكتسبه، أو مهارة يُتقنها، أو تجربة يتعلم منها.

– تعلمت من أمي كيف أكون أباً وأخاً وصديقاً، تعلمت منها معنى تبادل الأدوار وتنوعها، فمن أب يمارس مسؤولياته إلى أخ يسند أخاه، أو إلى صديق يحسن إلى أصدقائه.

– تعلمت من أمي أن الحياة مسرحاً كبيراً ينتمي له كل الأجناس، وتتم به كل المسلسلات، وتنشأ داخله كل التفاعلات بين الإنسان وما سخره الله له في هذا الكون الشاسع.

– تعلمت من أمي معنى العلاقة مع الخالق مع المعبود مع الرازق مع الله جل جلاله، تعلمت متى وكيف أناجي الله، تعلمت أن الصلاة هي الصلة بيني وبين الله، فحافظت بفضل الله على تلك الصلة التي وجدت فيها راحت النفس وسمو الذات، ومعنى التذلل والخضوع للحليم الكريم.

– تعلمت من أمي أن الوطن غالي ونفيس وهو البيت الكبير الذي يضمنا جميعاً تحت سمائه وفوق أرضه، وأن للوطن حقوق كثيرة ينبغي أن نقوم بها تجاه، فالوطن هو الأمن والأمان وهو الكيان الذي نصبح كلنا في ظله أسرة واحدة بقيادة حكيمة.

– تعلمت من أمي أن الأم إنسانة عظيمة تسهر لينام أبنائها، تجوع لتطعم صغارها، تتعب لتريح ذواتها، تعطي بلا مقابل، تعمل بلا كد.

– تعلمت من أمي معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: أحق الناس بصحبتي: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك.

أمي حفظك الله ورعاك من كل مكروه، وأطال الله عمرك بطاعة ربك، ولا حرمني أجر بركِ يالغالية، أسعدك الله في الدنيا والأخرة.
ابنكِ المُحب لكِ.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة

شاهد النسخة الكاملة للموقع