خريطة الإدراك

خريطة الإدراك
شويش الفهد

كانت ملكة فرنسا ماري أنطوانيت تعيش حياة مترفة في عالمها الخاص، ولم تكن على تماس مع العالم الخارجي المحيط بها إلا فيما ندر، حيث أوجدت لنفسها أعلى درجات الرفاهية والراحة وأصبحت في معزل عما حولها، وذات يوم أصيب أحد الفلاحين الذين يعملون بالقرب من قصرها بحالة إغماء من شدة الجوع، فسارع الحراس بإسعافه داخل القصر، وعندما شاهدته الملكه قالت: لا يصح لك أن تتبع هذا الريجيم القاسي!

لم تكن الملكة تدرك ما يعانيه الفقراء والبسطاء من الناس من أحوال سيئة وظروف قاسية؛ بسبب الحياة الكريمة التي كانت تعيشها والتي لا يوجد في قواميسها معاني الجوع والفقر، لقد ساهمت حالة الترف والغنى والثراء الفاحش في تكوين عازل يمنع من استيعابها وفهمها لتلك المواقف.

إن الإنسان عندما يوجد لنفسه أطراً يتحرك من خلالها وعوالم يعيش في داخلها فهو يساهم في تكوين الخريطة الإدراكية التي تمنع من استيعابه وفهمه لما هو خارجها، ومع مرور الوقت قد لا يستطيع العقل أن يعمل بحرية وطلاقه؛ بسبب تلك الخريطة التي أصبحت كالسياج المحيط به.

لكن الإنسان باستطاعته تغيير خريطته الإدراكية عندما يقوم من فترة لأخرى بمراجعة أفكاره، ومحاولة فهم الواقع الذي يعيشه عن طريق عمل المقارنات وتوسيع دائرة الوعي التي يمتلكها، والوقوف على أسباب عدم تقبله لبعض الأفكار والآراء التي لا يجد لها تفسيراً أو ينفر منها أو يتعامل معها بشكل إقصائي.

ولو تأملنا في أحوالنا لوجدنا الكثير منا قد حدثت معه حالات مشابهة لما ذكرته سابقاً، وهو عائد بطبيعة الحال لخرائطنا الإداركية التي نسجناها حول عقولنا وأصبحنا نتعامل مع ما هو قادم من خارجها على أنه غير مألوف، لذلك يجب علينا أن نحاول الانفتاح على الواقع ومحاولة فهمه وخصوصاً مع الحالات الجديدة علينا أو التي لا نمتلك معلومات كافية عنها.

ومن الخطأ الفادح أن نقوم بإصدار الأحكام المسبقة والآراء العاجلة في بعض المواضيع ونحن لم نكلف أنفسنا حتى بعناء البحث عن خلفياتها، وسوف نظهر بمظهر مخجل عندما نكتشف أننا استعجلنا في الحكم على بعض الأمور التي كان بإمكاننا التريث فيها.

نعم نحن لا نستطيع الإحاطة بالواقع بكل تفاصيله، ولكن بإمكاننا أن نفهمه أو على الأقل نفهم الجزء المتعلق بنا، ويعتمد ذلك على محصولنا المعرفي وممارساتنا النقدية وتقبل الآراء الأخرى شريطة ألا تؤثر علينا أو تجعلنا نتنازل عن مبادئنا وقيمنا وثوابتنا، وهذا مختلف تماماً عن تغيير القناعات التي قد نرى ضرورة تغييرها من حين لآخر متى ما توفرت لدينا الأسباب الكافية لذلك.

إن التشبث بالآراء والقناعات السلبية لا يخدم المجتمعات المتحضرة، بل يسهم كثيراً في تثبيط الجهود الخاصة بدفع الأمم نحو التقدم، ويؤدي لعدم الاستفادة من التطور الحاصل في شتى أنحاء العالم، وكم من مبدع تم إحباطه وخطة مميزة كان مقرراً لها النجاح؛ لكنها فشلت بسبب اصطدامها بعقليات متأخرة وقناعات سلبية.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة

شاهد النسخة الكاملة للموقع