الجماعة السلفية وأشراط الساعة

الجماعة السلفية وأشراط الساعة
خالد الغنامي

حرك المسلسل الدرامي “العاصوف 2” ذاكرة من تابعوه في العالم العربي، وأعاد أحداثاً كثيرة لطاولة النقاش. أهم تلك الأحداث هي بلا شك، واقعة احتلال الحرم المكي سنة 1979. تلك الواقعة هزت وجدان كل مسلم، بل كل إنسان، عندما احتلت تلك الجماعة الدينية الحرم وأعلنت مبايعتها لرجل منهم وصفوه بأنه “المهدي المنتظر”. استمر احتلال الحرم لمدة 15 يوماً ثم انتهت القصة بمقتل بعض تلك الجماعة وأسر البقية وإعدامهم فيما بعد، مع خسائر كبيرة في الأرواح البريئة. ما الذي أوقع هذه الجماعة الدينية في تلك الكارثة؟ قرأت الكثير مما كُتب عن تلك القصة، لكني لم أر من وضع يده على المفتاح وسار في طريق فهم ما بقي من التفاصيل، مع الاعتراف والتقدير للعمل المتميز للباحث الدقيق النزيه ناصر الحزيمي الذي أفادنا كثيراً في تصور ما حدث، فهو المرجعية العلمية في هذه الحادثة.
اختلفتُ قديماً مع أحد الكتاب عندما زعم أن “الجماعة السلفية المحتسبة” ينتمون للإخوان المسلمين، فهذه الجماعة لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بجماعة الإخوان. هذا لا يعني تبرئة الإخوان من الإرهاب، لكن رسائل هذه الجماعة التي جمعها الكاتب الناصري “رفعت سيد أحمد” تحتوي نقداً صريحاً من رئيس الجماعة جهيمان العتيبي لجماعة الإخوان المسلمين بسبب انشغالهم بالسياسة والرغبة المستميتة في الوصول لكرسي الحكم. لكن لماذا دخلوا الحرم وبايعوا واحداً منهم إذا لم يكن هدفهم سياسياً؟ ألا ينطلق فعلهم من رغبة في الاستيلاء على الحكم؟ أبداً، لم تكن هذه هي الخطة على الإطلاق. هذه الجماعة ليس في فكرها أي شيء عن الدولة، ولا عن نظام الحكم، ولا يملكون أي مشروع لتصريف شؤون الدولة. ما الذي كانوا يريدونه إذاً؟
دعونا نبدأ بالقول بأنه شيء جيد أن يكون لدى الإنسان مقدار معتدل من الإيمان والتدين وحب الصلاة والصيام وسائر العبادات الفردية فهذا كله يمنح الإنسان مقداراً من الشعور بالأمان والسعادة، لكن عندما تزيد الجرعة ويتحول الفردي إلى جمعي، يصبح الأمر كارثياً. هذا ما حدث مع “الجماعة السلفية المحتسبة”، أفكار شخص أصبحت هي أفكار جماعة، يموتون أو يحيون عليها.
أمر آخر فاقم المشكلة أنهم شعروا بالتمزق الوجداني بين المجتمع الطُهراني المثالي الأفلاطوني الذي لا يوجد ولم يوجد إلا في أذهان المتدينين، وبين الواقع الذي يرونه قد امتلأ بالفسق والفجور والمنكرات والمعاصي، مع أنك قد تتساءل قائلاً : أي فسق هذا في سعودية السبعينات؟! فالكل يعرف أنه مجتمع متدين محافظ منغلق. على كل حال، هذا الشعور بالتمزق أوصل أفراد الجماعة إلى حالة من الحزن الشديد واليأس وبغض الحياة. من هنا دخلت الرغبة في الانتقال بالعالم كله إلى العالم الآخر، ومن هنا نشأ التتيم بقصص أشراط الساعة. لاحظ هذه القضية فيما ستستقبل من أيام، ففي كل مرة تُهدد منطقتنا بالحرب تخرج الكتب والأحاديث التي تتكلم عن نهاية العالم وأشراط الساعة. عندما احتل صدام حسين الكويت خرجت علينا أحاديث تنسب للرسول يتحدث عن رجل اسمه “صادم”، وعندما خرجت داعش أعادوا إلى ذاكرتنا حديث الرايات السوداء ” تخرج من خراسان رايات سود فلا يردّها شيء حتى تنصب بإيلياء” مع أن هذا الحديث قديم، فقد ألّفته الترسانة الإعلامية لبني العباس عندما قرروا انتزاع الحكم من بني أمية في سنة 750 ميلادية، فالرايات السود كانت شعار بني العباس.
قصص الملاحم التي تنسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام كانت دائماً سلاحاً سياسياً يستخدمه أقوام ضد آخرين لتحقيق هدف عسكري أو سياسي، ولذلك لا بد للعاقل أن يتشكك مرة وألف مرة أمام أي حديث يحتوي مضموناً سياسياً، على سبيل المثال تلك الأحاديث التي تُعطي “قريشاً القبيلة” حقاً في زعامة المسلمين إلى الأبد وفي كل مكان، رغم أننا نعلم أن الانتماء للإسلام حق لكل البشر، وأن الله ليس بينه وبين قريش نسباً، وأن كثيرا من الملوك والقادة العظماء في تاريخ المسلمين لم يكونوا عرباً من الأساس، صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس وقطز ونور الدين زنكي، فأين الحكمة عندما ننتزع الإمارة من هؤلاء الزعماء الذين أنقذوا الأمة في أشد اللحظات حرجاً كأيام الحملات الصليبية وغزوات المغول، ونعطيها لشخص آخر لا يتميز بأية مزايا، سوى أنه قرشي! لا يهمني من روى هذا الحديث، فكلهم بشر يصيبون ويخطئون، ويروون أحاديث بينهم وبين صاحبها قرنين أو ثلاثة. نعم نقدّر ونحترم حفظهم وجهدهم، بل ونحبهم، لكن معظم ما دونوه يفيد الظن، لا أكثر.
هناك كتاب تحبه “الجماعة السلفية المحتسبة”، إلا وهو كتاب الشيخ السلفي حمود التويجري “إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة”، وهو كتاب يجمع المرويات دون تحقيق ولا تمحيص ولا مناقشة، وفيه نجد كل المرويات عن خروج المهدي والجساسة وما شابه ذلك من مرويات نشك جداً في صحتها. أضف إلى كل هذا أن قائد الجماعة جهيمان العتيبي لم ينتظر حتى تخرج أشراط الساعة وتقوم القيامة، بل فرضها فرضاً بالقوة، فهو الذي أقنع زميله محمد عبد الله القحطاني بأنه المهدي المنتظر، واستخدم الرؤى والأحلام حتى قيل إن هناك 300 رؤيا لـ300 شخص، كلهم رأى أن محمد بن عبد الله هو المهدي المنتظر، وحتى بعد احتلال الحرم ومقتل المهدي المزعوم مبكراً في المسعى، رفض جهيمان قبول فكرة أن يموت المهدي وزجر رفاقه من ترداد ذلك.
لقد كان جهيمان والجماعة السلفية ينتظرون أن ينطبق عليهم الحديث المنسوب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام “يعوذ عائذ بالبيت فيُبعث إليه بعث (أي جيش) فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم”، لقد افتعلوا كل هذا ولم يدعوه يحدث بطريقة طبيعية تلقائية، إن كان سيحدث فعلاً. لقد أعاد جهيمان ترتيب الأحاديث التي تتكلم عن أشراط الساعة وألف بينها ورتبها زمنياً، وفرض على صهره القحطاني أن يكون المهدي رغم أنه لم يكن مقتنعاً بالقصة، وافتعل قضية اللجوء إلى البيت رغم أنه لم يكن هناك من يطاردهم، وكانوا وهم في الحرم ينتظرون أن يُخسف بجيش يأتي من تبوك، رغم أن من حاصرهم هي القوات السعودية، فإذا خُسف بذلك الجيش خرجوا خلف المهدي إلى الشام، فتبدأ الملاحم الكبرى وينزل المسيح عليه السلام فيصلي خلف المهدي المزعوم، ثم تنتهي الدنيا وتقوم القيامة. هذه هي القصة التي كانت الجماعة السلفية المحتسبة تنتظر وقوعها في 20 نوفمبر 1979. لقد كانوا يتحركون لكي يفرضوا نهاية العالم فرضاً بالقوة، ولم يكونوا يهدفون للاستيلاء على الحكم.
سأخبركم بمعلومة، أعلم أنها ستكون صادمة لعموم الناس مع مدّ السلفيات الجديدة في زمن المسلمين الأخير، وخطابها الأثري الخالص. عند علماء أصول الفقه، وهم من يمثلون حقاً الفكر الإسلامي، وهم من يحاولون الجمع بين النصوص الدينية والعقل، أن السنة النبوية تنقسم إلى قسمين، خبر متواتر وخبر آحاد: الخبر المتواتر هو ما تناقله المسلمون جيلاً عن جيل فيما يتعلق بضروريات حياتهم، كيف يصلي المسلم ويصوم ويتطهر ويمارس شعائره، وهذه لا شك فيها رغم اختلاف الرواة في التفاصيل الصغيرة، أما خبر الآحاد، وهو أغلب المرويات، فقد رأى علماء الأصول من الأحناف والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة أنه “يفيد الظن ولا يفيد اليقين”. معظم هذه الروايات التي نسمعها ونقرأها، تفيد الظن ولا تفيد اليقين، بمعنى أننا لا نجزم أن الرسول قد قالها فعلاً. هذا هو ما يرتاح له عقل كل عاقل، هذه المرويات الكثيرة لا يمكن أن تكون كلها ثابتة صحيحة، ونحن نرى الراوي الثقة الصادق وهو يحدثنا اليوم بقصة ثم يعود ويرويها لنا بعد فترة وقد نسي بعضها وزاد ونقص، هذه هي طبيعة القدرة الإنسانية غير الكاملة.
التعامل من تلك النصوص المظنونة وكأنها حقائق هو سبب تلك الكارثة التي وقعت في الماضي، وهذه المشكلة لا زالت قائمة اليوم، وهي تستمد قيامها وخطرها علينا وعلى الأجيال القادمة من هذه السلفيات الجديدة التي يزايد بعضها على بعض في التشدد وكراهية الحياة، والتي انتهجت نهجاً في تصحيح الأحاديث بحيث لن يبقى على وجه الأرض حديث ضعيف، كل المرويات أصبحت صحيحة وما لم يصبح كذلك بعدُ، سيأتيه الدور. السلفيات الجديدة بحاجة لمراجعات تصحيحية حقيقية، بحيث تنشغل أكثر بصناعة الحياة، بدلاً من صناعة الموت والدمار.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة

شاهد النسخة الكاملة للموقع