يوسف بخيت

على صعيد عرفة

على صعيد عرفة

كثيرة هي مواسم الخير في حياة المسلم، ويأتي شهر ذو الحجة وعشره المباركات مسك الختام للعام الهجري، وكم تتعاظم السعادة في قلوب المسلمين والمسلمات ممن يسّر الله لهم القدوم إلى المشاعر المقدسة في المملكة العربية السعودية؛ فأدّوا مناسك الحج، وأقاموا الركن الخامس من أركان الإسلام، واكتحلت أعينهم بمشاهدة الكعبة المشرفة، وزاد سرورهم بالطواف حولها، والصلاة خلف مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام في المسجد الحرام، ثم السعي بين الصفا والمروة، وحملتهم الأقدام والسيارات إلى منى وعرفة ومزدلفة، فأتموا مناسك حجهم، تحفّهم عناية الرحمن، وينعمون بما بذلته الحكومة السعودية بجميع أجهزتها من جهود عظيمة وخدمات مباركة، لتقديم كل ما من شأنه تيسير أداء المناسك وراحة ضيوف الرحمن.
الرحلة إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج تُعتبر أجمل وأهم الرحلات في وجدان المسلم والمسلمة، إنها رحلة مليئة بالمشاعر التي يعجز البيان عن وصفها، تخطو أقدام الحجيج وتنتقل حيث خطَت أقدام خليل الله سيّدنا إبراهيم عليه السلام، حين أمره ربه عز وجل بالأذان في الناس بالحج، وكذلك خطَت أقدام سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ومعه جمع غفير من الصحابة رضوان الله عليهم، ليخطب فيهم النبي الكريم خطبة الوداع على صعيد عرفة، بما تضمنته من المعاني العظيمة والوصايا الخالدة بخلود هذا الدين العظيم، ويقول لهم الحبيب المصطفى مع نهاية كل وصية: ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.
مَن سبق له أداء فريضة الحج يدرك لماذا تُسمى الرحلة إلى المشاعر المقدسة رحلة العمر، فهي من الناحية الدينية أهم رحلة في حياة المسلمين لإتمام أركان دين الإسلام بأداء مناسك الحج، ومن الناحية العقلية والنفسية والوجدانية تُعدّ رحلةً خالدة لا يمكن أن ينسى المسلم والمسلمة تفاصيلها مدى عمره، إذ يبقى في اتصال دائم مع الله تعالى طيلة أداء مناسك الحج؛ فتبثّ النفسُ آمالَها ومخاوفها وأوجاعها إلى الرحمن الرحيم، فهذا حاج تنسكب دموعه وهو يسأل ربه شفاءً من مرض أو قضاءً لدَين أو تيسيرًا لعسير، وتلك حاجة قد بللت عبراتُها وجهَها وهي تلهج إلى الكريم المنان بحاجاتها، وتسأله صلاح أولادها والرحمة في الدنيا والآخرة.
ما أبهى منظر الحجيج وقد تجردوا من ملابسهم على تنوع بلدانهم وثقافاتهم، وارتدُوا ملابس الإحرام البيضاء، وأقبلوا على الله سبحانه بقلوبهم وجوارحهم، منهمكين في أنواع العبادة، تلهج ألسنتهم بالتلبية والدعاء والمناجاة والذِّكر، فغدوا كأنهم الغيوم البيضاء النقية، ينتقلون بين المشاعر المقدسة رجالاً وركبانا، في صورة تجسّد جَمال دين الإسلام الحنيف، ويظهرون في مظهر أنيق من مظاهر الوحدة والمساواة بين أبناء الإسلام، فإذا كنت أخي القارئ بين هؤلاء الحجيج، أو نظرتَ إليهم عبر شاشة التلفاز فلن تجد فرقًا بينهم، ولن تميّز الفقير من الغني، ولن تعرف الإنسان البسيط من صاحب المنصب الرفيع؛ وحدة عظيمة تعكس عظَمةَ الإسلام، فليس ثمة فرق بينهم إلا بالتقوى.
لا يمكن لأي كاتب أو متحدث وهو يرى مشاهد الجموع الغفيرة لحجاج بيت الله الحرام في مكة المكرمة وزوار المسجد النبوي في المدينة المنورة، وما ينعمون به من أمن وأمان وطمأنينة وسعادة ترتسم على وجوههم المشرقة بنور الإيمان، أقول لا يمكن له أن يتجاوز ما تبذله المملكة العربية السعودية قيادة وحكومة وشعبا من خُطط وأسباب وجهود مضاعفة تيسّر للحجيج قضاء نسكهم، ليعودوا إلى بلدانهم حاملين أجمل الذكريات، فالشكر لله تعالى أولاً وآخراً ثم الشكر لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولسموّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظهما الله وأيدهما بتوفيقه، ولجميع من يخدمون الحجيج من مدنيين وعسكريين ومتطوعين، وجزاهم الله خير الجزاء.
في صور إنسانية وبطولية يظهر رجُل الأمن السعودي من جميع القطاعات العسكرية، جزاه الله خيرا، في خدمة الحُجاج بأرقى مظهر، يفكّ الاختناقات المرورية، ويباشر إخماد ما يندلع من حرائق، ويضبط الأمن، ويسهّل إجراءات انتقال الحجيج بين المشاعر المقدسة، ولا يخلو المشهد في الميدان من لفتات جميلة، تعبّر عن صدق انتماء رجال الأمن السعوديين إلى الإسلام دينا وإلى المملكة انتماء وإلى العروبة فخرا؛ فهذا رجل أمن يرشد حاجا تائها، وذاك يحمل طفلاً بين يديه حتى ينتهي والداه من رمي الجمرات، وثالث يسقي حاجة أخذ منها الظمأ جهدًا كبيرا، وغيرها الكثير من المناظر الإنسانية المؤثرة، وكما قال الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة فإنّ جميع هذه الجهود والمواقف المشرفة لرجال الأمن محل اعتزاز أبناء الوطن من السعوديين وموضع الفخر بين العرب والمسلمين.
يقف صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز مستشار خادم الحرمين الشريفين وأمير منطقة مكة المكرمة ورئيس لجنة الحج المركزية، أعانه الله ووفقه، موقف الأمير الهُمام والإداري المتميز، بما يبذل سموه الكريم من جهود، وما يقدّم من أفكار إبداعية خلاّقة، وما يبث من أشكال الدعم لمن يعملون معه، ليظهر الحج تحت عنوان رائع من اختيار سموه وهو: الحج عبادة وسلوك حضاري.
وهذه لفتة ذكية ونظرة سديدة من أمير فذ، يضع بصماته الجميلة، ويرسم أفكاره النيّرة في مواقع العمل والإنجاز، ليقود منظومة العمل في إمارة مكة بحكمة وعزم وإبداع، فهنيئًا لمكة بأميرها جزاه الله خيرا، وهنيئًا لبلادنا بقيادتها الحكيمة نصرَها المولى، وقد اختار عاهلها لقبًا يتشرف به دون غيره من الألقاب، وهو خادم الحرمين الشريفين.
يا رفيق الحرف، هذا يوم عرفة، يوم خالد وعظيم من أيام الإسلام، ومحطة هامة في طريق المسلم إلى الله تعالى، يتزود منها بعمل كل خير يقربه من مولاه، وكم لك من دعوات وحاجات ادّخرتها طيلة أيام العام، ترفعها لمولاك جل جلاله في هذا اليوم الفضيل، فما أحراك أن تبتهل إليه تعالى في يوم عرفة بما في قلبك، متوجهًا لربك تائبا مستغفرا، داعيًا لنفسك ووالديك وأحبابك وأمة الإسلام بالخير والسلام، ولا تنس الأموات من دعوات طيّبة صادقة، مستذكرًا أن فريضة الحج وأيامه الفاضلة التي اجتمع فيها المسلمون من كل بلدان الدنيا في الأراضي المقدسة فرصة ثمينة للتغيير من حالكَ إلى حالٍ أجمل إن شاء الله.

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة

شاهد النسخة الكاملة للموقع