التصور الحصيف في كشف الفئات المستهدفة من التطرف الخبيث (4-5)

التصور الحصيف في كشف الفئات المستهدفة من التطرف الخبيث (4-5)
د. حمد بن محمد الشدادي

يسعى قادة الجماعات المتطرفة إلى اختيار الأشخاص الذين يلبون احتياجات التنظيم وفق مواصفات شخصية ومعايير تنظيمية محددة تُسهم في تحقيق أهداف تلك الجماعات بأسهل الطرق وأيسر الأساليب، وبما يضمن توثيق العلاقات بين عناصرها والحفاظ على قوة التنظيم، وضمان عدم اختراقه.

والمنظمات المتطرفة تبذل أقصى جهدها في إعداد كوادرها حتى إذا ما نجحت الأجهزة الأمنية في إلقاء القبض على بعض قيادات التنظيم وجدت من يحل محلهم, فالشخص الثاني مدرب وجدير بتولي منصب الشخص الأول.

إن الجماعات الدينية المتطرفة تمثل ثقافة فرعية داخل الثقافة الكلية للمجتمع أو هي تسعى إلى صقل الهوية الثقافية لأفراده بما يحقق أغراضها الاجتماعية والسياسية باستخدام الدين أو توظيفه كمبرر لشرعية تواجدها في المجتمع وفي الوقت نفسه تستخدم الدين لتجد القبول الاجتماعي.

وفي الجماعات المتطرفة يكون رأس الجماعة والذي يُعد بمنزلة القائد والمسئول الأول بيده كل السلطات: رئيس ديني, قائد حزبي, مرشد سياسي, حاكم مدني.

ولكل جماعة قائد يستطيع من خلال مواصفاته وسماته أن يستقطب أفراداً جدداً إلى جماعته نظير ما يملك من كاريزما خلقية وقوة شخصية تأثيرية انفعالية واجتماعية، إذ للقائد في الجماعات التي لها هيكل تنظيمي وظائف تساعده في تحقيق أهداف أفراد الجماعة على حد سواء كالتخطيط ووضع السياسة والإدارة والحكم والوساطة بين الأفراد داخل التنظيم.

ويشير التحليل السوسيولوجي والسيكولوجي بأن الإرهابي لا يولد بالضرورة إرهابياً, وإنما يصبح كذلك بفعل عوامل بيئية واجتماعية وسياسية ودينية مختلفة.

ويفسر سلوك الفرد على أنه النتاج العام لمؤثرات المجتمع المختلفة, فسلوكه يعتمد في تكوينه وأهدافه على الجماعة.

ويستند قادة الفكر المتطرف إلى منظومة فكرية وثقافية محرّفة تسوغ أعمال العنف وتحاول تبريره للفئات المستهدفة المراد استقطابها ومحاولة إعطاء شرعية لذلك, بل وتستعين بشعارات ومقولات تخاطب الغرائز وتدغدغ العواطف البدائية دون الوعي والعقل, ولهذا يصبح العنف هو الطريق الطبيعي الذي يقود إلى التطرف إذا لم يوقف عند حده.

وبحسب علم النفس الاجتماعي, فإن المتطرف مريض نفسياً غير سوي فقد المرونة وإمكانية التفاهم والحوار والتسامح في التعامل مع الأمور ولم يستطع إيجاد حل آخر لكل قضية تسيطر عليه, ولذلك يكون حله لها قسرياً حتى لو اقتضى ذلك تدمير الذات وإفناءها.

أن النشاط الدافع للانضمام للجماعات يتم على ثلاثة مراحل هي:

– مرحلة الإلحاح: وهي المرحلة التي يتسارع فيها معدل التوتر ويتزايد ويصبح الدافع واضحاً تماماً في الجانب الإدراكي للفرد المراد استهدافه.
– مرحلة الإشباع: وهي المرحلة التي يتم فيها إشباع الدافع وتحقيق حاجة الفرد أياً كانت وتتميز هذه المرحلة بدرجة الاكتفاء أو الرضى التي تتصل بأداء الفرد المستهدف وسلوكه.
– مرحلة الاتزان: وفيها يتم التوافق والتعادل في عمليات تفاعل الفرد المستهدف مع الجماعة المتطرفة.

ويؤكد أحد الباحثين الاجتماعيين بأن مفهوم الفرد عن الجماعة يحدد درجة انتماءه إليها، فقد يدرك بأنها جماعة مرحبة ومشجعة توفر حاجاته فيحرص على الانضمام لها، بل وتزيد درجة انتماءه إلى الجماعة وينشط تفاعله معها.

إن التنشئة الاجتماعية والتربوية والبيئية والتراث الثقافي والعلاقات الاجتماعية والسياسية للفئات المستهدفة؛ تلعب دوراً هاماً في تسهيل استقطابهم بهدف العمل مع الجماعات المتطرفة بل وجعلهم أكثر ميلاً إلى استخدام العنف من غيرهم.

والجماعات المتطرفة تُشكل إرهاب دموي من خلال الصراع الديني السياسي بين الطوائف, وهو الأكثر قدرة على إثارة الرعب والخوف في نفوس البشر وهذا يُساهم في نجاح عمليات الاستقطاب, كما يلعب الخطاب الديني المتطرف بشقيه التكفيري والسياسي دوراً خطيراً في التفرقة بين طوائف المجتمع والصراع بينها وزرع الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع المختلفة, سواء في داخل الدين الواحد أم بين طوائفه ومذاهبه المتعددة, خاصة في المجتمع المتعدد الديانات والمذاهب والطوائف الدينية, عبر فرض أيديولوجية دينية وحيدة الرؤى, مما يحرم الآخرين من حق التمتع بممارسة حقوقهم الدينية وطقوسهم وحريتهم في ما يعتقدون, وأن هذه التفرقة الدينية تساعد على خلق بيئة حاضنة للاستقطاب وتعزز أعمال العنف والعنف المضاد.

أن قادة الجماعات المتطرفة يعلمون تماماً أن ما يخططون له يختلف عما يأمر به الدين ولكنهم يجعلون من الدين ستار لتجنيد المنفذين ودفعهم لمخاطر القيام بالعمليات المتطرفة ابتغاء أجر المقاتل في سبيل الله، وليت الأمر اقتصر على ذلك بل امتد إلى أشخاص ليسوا أعضاء في منظمتهم الإجرامية ولكنهم أبناء المناطق العشوائية أو أحزمة الفقر وما أكثر هذه المناطق, إضافة إلى بعض منفذو العمليات المتطرفة أكثرهم من الشباب متبلدي الحس الذين لم يرحموا كهلاً أو طفلاً أو امرأة وللأسف يعتقدون بشرعية ما ارتكبوه من آثام، أما قادتهم فهم أكثر دموية منهم.

ولقد استغلت التنظيمات المتطرفة خاصة تنظيمي “داعش” و”القاعدة” العاطفة لاستقطاب النساء وانضمامهن لتلك الجماعات، وخاصة تلك التي تمتلك منهن نزعات الانحراف الداخلي والتمرد، وتلك النساء المضطهدات في بيوتهن ويسعين لإثبات ذاتهن، وذلك بهدف القيام بمزيد من الأدوار التنفيذية داخل التنظيمات، مما يمثّل عنصر جذب واستقطاب للنساء والفتيات اللاتي قد يجدن فيه أحد أشكال تحرر المرأة داخل تلك المجتمعات المتطرفة شديدة الانغلاق، ومنها تأسيس كتائب نسائية كان أشهرها «كتيبة الخنساء»، وتولية نساء عليها بمناصب قيادية.

وأرى أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل لدى الجماعات المتطرفة محيطاً واسعاً لرمي الشباك واصطياد العديد من الأشخاص المستهدفين وفق معايير مسبقة وبغية تحقيق أهداف محددة, بل وتُعد جسراً سهلاً لطرق الأبواب الخاصة والخوض في حوارات ثنائية منفردة مع ضحايا عمليات الاستقطاب المستخدمة من قبل الجماعات المتطرفة خاصة الموجهة للشباب من خلال إرسال مقاطع عاطفية وبنغمات تأثيرية نفسية تُثير عواطف تلك الفئات المستهدفة، مما ينتهي غالباً بتجنيدها وكسب دعمها عبر شبكات التواصل على أقل تقدير.

إضافة الى أن الشخص الذي ينضم للتنظيمات المتطرفة غالباً ما يبحث عن إشباع جانب من جوانب شخصيته بأي طريقة كانت وتحت مظلة أي كيان بمختلف هيئاته, ويسعى لتحقيق ذلك حتى لو كان على حساب الإضرار بنفسه أو بالغير, والذي يتابع ما يصرح به المتحدث الرسمي لوزارة الداخلية السعودي ومعاونيه يُدرك مصداق ذلك.

وكذلك أن من ضمن معايير عملية اختيار العضو المستهدف في الجماعات الدينية المتطرفة؛ مدى قوة شخصيته أو ما يتمتع به من مكامن القوة أو مواطن الضعف أو قد يكون لمكانته الوظيفية أو الاجتماعية أو لحساسية وضعه أو صعوبة التعامل معه من قبل الأجهزة الأمنية.

(وللحديث بقية إن شاء الله)

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة

شاهد النسخة الكاملة للموقع