تشـريح العـرفـج

تشـريح العـرفـج
فهد الأحمدي

● تصنيف الناس لكتاب الرأي في السعودية بسيط جـدا.. فالكاتب أما يوافقك الرأي فتكيل له المديح، أو يخالفك الرأي فـتقـلل من شأنه وتخطئه ـــ وربما تسيء لسمعته..

وبين هذا وذاك يوجد نوع ثالث يدعى “أحـمد العـرفـج” تحتار فعلا في أي فسطاط تحـشره..

نوع لا يمكنك أن تفهمه أو تكرهه أو تحبه من أول نظره.. لا يمكنك أن تهضمه من أول أو ثاني مقال، بل تحتاج الى درزن مقالات وأشهر من المتابعة لتدرك أنه “السهل الممتنع” في عالم الصحافة والكتابة الساخرة..

… ومقالي هذا ليس من باب النقـد أو المـديح بل مجرد محاولة للتشريح .. وقـبل أن أتهم بتملق “عميد الأيتام في العالم” أشير الى وجود مجموعة خصائص كتابية يصعب وجودها في غـير العرفج..

فـفي حين يتحدث معظم الكتاب من موقع الأستاذية والتنظير ويوحون بنشأتهم في برج عاجي لا يتحرج هو من الحديث عن نشأته المتواضعة (التي جمعها في كتاب المختصر من سيرة المندي المنتظر)..

لا يتحرج في وضع صورته لابسا الفوطة والفنيلة برفقة نعزتين فضولتين (في الواتساب).. لا يتردد في إخبارك عن طفولته البائسة في بريـده والمدينة وكيف توفي والده بعد أيام من حمل والدته بـه ـــ ومافتئ من حينها يطالب بعموديته لأيتام العالم..

قـد يبدو مثل صديقك القديم في الحارة الذي لم يوفق في الدراسة أو الوظيفة ولكنه في الحقيقة عصامي مكافح تخرج من كلية الدعوة وحصل على الدكتوراه من بريطانيا وتقاعد برتبة عقيد من الداخلية ونشرعدة كتب ومؤلفات (ومع هذا لا يستبق اسمه بحرف الدال ويصف نفسه بعامل معـرفة الذي قـام بـلمـلمة هذا الكتاب وذاك المؤَلف)..

احترامه لنفسه يمنعه من التباهي، ولكن سخريته من مهنته تجعله يعلن عن استعداده بيع مقالاته لأي ثري يرغب في الشهرة.. سخريته من ماضية تجعله يخبرك كيف كان يوزع مكافئته الجامعية على البنوك كي يتباهي بكثرة بطاقات الصراف في محفظته ــ أو كيف كان يلبس حذائه في المنزل، وحين يخرج للشارع يحمله خوفا عليه من الإهتراء..

يمكنه الكتابة بسرعة سبع مقالات في اليوم بطريقة ــ تبدو لأول وهلة ــ عفوية ولكن في النهاية تكتشف أنه يزن كلماته بدقـة الصائغ ويُحمل كل كلمة معنى حقيقي ومجازي.. ورغم سخريته من نفسه (في مقال المنهج في ضعف الإملاء عند أحمد العرفج) إلا أنه مخلص لـقواعد اللغة ويكاد يكون الوحيد الذي ينشر مقالاته بـعـلامات التشكيل (في جريدة المدينة)..

عناوينه المسجوعة والطريفة تعمل كلوحة نيون توحي بوجود سيرك في الداخل.. تثير ابتسامتك كي تغريك بالدخول لتكتشف متأخرا صعوبة الخروج منها ـــ وخذ كمثال “إزالة الرتوش عن أصحاب الكروش” و”الأساليب الذكية في استعادة الهدية” و”اللكلكة في آداب الفسبكة” و”المشكلجية في الكتابات الجوجلية” ناهيك عن كتابه الجميل “الغثاء الأحوى في لملمة غرائب الفـتوى”!!

بإختصار؛ لـو قدر لنا وضع العرفج على طاولة التشريح لاكتشفنا قدرا كبيرا من النرجسية، ولكن قدرا أكبر من المصداقية وخفة ظله والصدق مع الذات.. محاولتي الكتابة عنه كانت صعبة وتشبة محاولة (تشريح) شيء بغرض فهمه..

أخترت هذه الكلمة (في العنوان) لأنني حين انتهيت تذكرت موقفا حدث لي قبل سنوات طويله في فــيينا.. كنت برفقة أحد أصدقائي حين اقـنعته بدخول معرضا للجثث البشرية..

كان بعضها مشقوقا بالطول وبعضها بالعرض والبعض الآخر مفتوحا لدرجة ترى الأجنة في الداخل.. وفي حين أعجبت أنا بالمعرض لم يكف هو عن الحديث عن تطرف الفكرة، وقساوة المشهد، وانحدار القـيم والأخلاق، وضرورة تعليمهم حفظ كرامة الأموات ….الخ الخ.

لم أقاطعه حتى دخلنا الفندق فقلت مبتسما: ربما لم يعجبك المعرض ولكن من الواضح أنه أثار اهـتمامك لأنك لم تكف عن الحديث عنه طوال ساعتين!!

العرفج أيها السادة مثل معرض الجـثث البشرية، قـد تحبه وقـد تكرهـه، قد يثير صدمتك وقد يثري معارفك، ولكن في جميع الأحوال يصعـب عليك عدم تذكره أو حشره في إحـدى الفسطاطين!

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة

شاهد النسخة الكاملة للموقع